كلمة معالي الأستاذ حمد بن سعود السياري
محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي
حول
"حوكمة المصارف في المملكة العربية السعودية"
(المعهد المصرفي، 22-23 مايو 2007، الرياض، المملكة العربية السعودية)
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
يسرني في البداية أن أرحب بكم، ويسعدني مشاركتكم في هذا المؤتمر المهم حول "الإدارة السليمة" (حوكمة الشركات)، الذي ينظمه المعهد المصرفي ومؤسسة التمويل الدولية.
أيها الحضور،
تُعرف الإدارة السليمة للشركات عموماً أنها تنظيم هيكلي وإجراءات تنفيذية ورقابية تستخدم لتوجيه وإدارة الأعمال لتحقيق أهداف الشركة، وضمان الاستقرار المالي لها. وقد اكتسب تطبيق وتفعيل مبادئ ومفاهيم الحوكمة اهتماماً عالمياً متزايداً منذ العقد الماضي بسبب أهميته وصلته بالتطور والنمو الاقتصادي الكلي وتعزيزه لاستقرار النظام المالي بشكل خاص. ورغم شح الكتب الصادرة في هذا الموضوع باللغة العربية إلا أنه تجدر الإشارة إلى كتابين: الأول للأستاذ عبدالمجيد البطاطي صدر عام 2004م بعنوان "الطريق إلى النظام الحاكم للشركات" والثاني للدكتور ابراهيم المنيف وصدر عام 2006م بعنوان "حوكمة الشركات". وفي الكتاب الثاني إشارة إلى كتاب ثالث لم أطلع عليه للأستاذ/ صالح علي حسين صدر عام 2003م بعنوان "ممارسة وإدارة السلطة في منظمات الأعمال".
أيها الحضور،
إن القيادة الفعالة لمجلس الإدارة والإدارات التنفيذية في أي مؤسسة مالية لهي بمثابة الركن الأساس الذي يمكنها من تحقيق أهدافها ويضمن تطورها ونموها بما يخدم مصالح الجميع من مساهمين وعاملين فيها. وتنطلق القيادة الفعالة من الإدارة السليمة التي يمارسها المسئولون والمدراء الأكفاء ذوو الخبرات العالية على مختلف المستويات، بما في ذلك وضع إستراتيجية شاملة، وخطط عمل منضبطة، إضافةً إلى رسم آليات مناسبة للمسؤولية والمساءلة والشفافية في المؤسسة المالية.
وبهذا الخصوص، يمارس مجلس الإدارة دوراً بارزاً في الإشراف على تطوير إستراتيجية شاملة للمؤسسة المالية، ومتابعة القرارات التي تتخذها الإدارة العليا لتحقيق ذلك.
وهذا يتطلب وجود كفاءات تتمتع بالمهارات اللازمة لتحقيق الأهداف التي رسمها مجلس الإدارة. علاوة على ذلك، ينبغي على المجلس وضع إرشادات واضحة بخصوص استقلالية والتزام جميع الإدارات والمؤسسات التابعة للمنشأة بالسياسات الموضوعة والإجراءات المعتمدة. لذلك تمارس اللجان الخاصة بمجلس الإدارة، كلجان المراجعة والالتزام والتعويض واللجان الخاصة الأخرى، دوراً مهماً في هذا المجال.
ويتعين على الإدارة العليا أن تضع إستراتيجية عمل شاملة، وأن تشرف على القرارات اليومية التي تدعم الأهداف والسياسات طويلة الأجل التي حددها المجلس. ولضمان الاستقرار المالي، ينبغي دعم تنفيذ الأهداف الشاملة بضوابط إشراف داخلية صارمة وإدارة فعّالة للمخاطر. ويعد نظام الرقابة الداخلية الفعّالة أمراً حاسماً في توفير الطمأنينة وتقديم المعلومات المناسبة التي تساعد على اكتشاف الأخطاء وتصحيحها حال وقوعها. كما أن ذلك يدعم الكفاءة التشغيلية للمنشأة ويضمن الالتزام بالسياسات الإدارية، والأنظمة، واللوائح، والآليات المعتمدة الأخرى.
وتقوم الإدارة الفعالة للمخاطر على أساس الإدارة السليمة والجيدة للشركات، وعلى الضوابط الداخلية الصارمة. ويعتبر تحديد ومعرفة المخاطر في جميع الأنشطة مهمة أساسية لأي مؤسسة مالية، وفي الوقت نفسه، يجب أن تتوفر لديها الأنظمة التقنية والعمليات الإدارية الضرورية لقياسها ومتابعتها والسيطرة عليها بشكل فعال.
ولا بد أن تُدعّم الإدارة الفعالة للمخاطر وبنية الرقابة بثقافة مؤسساتية تضمن ترجمة الإجراءات والسياسات المكتوبة إلى واقعٍ عملي. وتتحدد هذه الثقافة من خلال فلسفة وسلوك مجلس إدارتها والإدارة العليا. وتعتبر أعمال الإدارة العليا وانسجام قراراتها وتصرفاتها مع القيم والمبادئ التي وضعتها أمراً حاسماً في تشكيل ثقافة المؤسسة. ولذا فمن الضروري أن يؤكد كبار المدراء التزامهم بالسلوك الأخلاقي، والإدارة الفعالة للمخاطر، والضوابط الصارمة بشكل مستمر، مع التأكيد على تعميم تلك المبادئ على جميع المستويات في المنشأة.
وأما العامل الهام الآخر الداعم للاستقرار المالي، فهو الانضباط في السوق، الذي يسهم أيضا بشكل كبير في الإدارة السليمة والجيدة للشركات. فعندما يتوفر للمشاركين في الأسواق معلومات دقيقة وواقعية وحديثة عن أداء الشركة، فإن قراراتهم الاستثمارية أو الائتمانية ستشكل عوامل ضغط أو حوافز لمدراء الشركة ومجلس الإدارة من أجل إدارة المخاطر على نحو سليم. وبنفس القدر من الأهمية، يستطيع نفس المشاركين في الأسواق معاقبة المؤسسات التي تُقصر في إدارة مخاطرها بشكل سليم.
لذا لا بد من دعم انضباط الأسواق، بالإفصاح الكافي، والالتزام بالمعايير المحاسبية السليمة، إن معرفة مدى قدرة الشركة على تحمل المخاطر، والأسلوب المتبع لإدارة تلك المخاطر ضروري لتقييم مستقبل الشركة.
ويتطلب إحراز التقدم في مجال الإفصاح تعزيز المعايير المحاسبية لضمان التقييم المناسب ومواكبة المبتكرات سواءً في المنتجات الجديدة أو في الأساليب الحديثة لإدارة المخاطر. وتخدم الأنظمة المحاسبية أغراضاً متنوعة، من أبرزها مساعدة الدائنين والمستثمرين في اتخاذ قرارات واعية ودقيقة في تحديد الشركات التي تفي بمتطلبات السوق من حيث الكفاءة والتنافسية والربحية. وتمكن الأنظمة المحاسبية السليمة المستثمرين من تقدير القيمة المالية الحقيقية للشركة. كما تساعد في جذب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية على حد سواء.
وباستشراف المستقبل، أعتقد بأن التحدي الهام الذي يواجه المدراء والإدارة التنفيذية يتمثل في وجود أعضاء مجالس إدارة يتمتعون بالاستقلالية الكافية والمعرفة والخبرة في مجال المؤسسات المالية الكبرى. وتعكس خاصية الاستقلالية مزايا الموضوعية، والخبرة، والبصيرة، وقوة الشخصية. وهناك حاجة ماسة أن يتمتع المدراء بالمعرفة الفنية والاستقلالية نظراً لتزايد تعقيد معظم النشاطات المصرفية وتسارع وتيرة التغير في الأسواق المالية وممارساتها. وهناك تحدٍ كبير آخر وهو الحصول على توازن صحيح بين الخبرة والاستقلالية كي لا يوافق مجلس الإدارة بشكل روتيني على قرارات الإدارة العليا من غير تفكير أو مناقشة.
وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن مؤسسة النقد العربي السعودي، بصفتها البنك المركزي والسلطة المعنية بالرقابة المصرفية، مارست، منذ قيامها، دوراً قيادياً في تعزيز حوكمة الشركات في الصناعة المصرفية بالمملكة. وقد تُعجبون إذا علمتم أن مؤسسة النقد أصدرت في عام 1981م وثيقةً بعنوان "صلاحيات ومسؤوليات مجالس إدارات البنوك التجارية السعودية". وتضمنت هذه الوثيقة إرشادات شاملة توجه أعضاء مجالس الإدارة للالتزام بنظام مراقبة البنوك ونظام الشركات، وطلبت تنفيذ نظام محاسبة وضوابط داخلية، وأوكلت إلى مجلس الإدارة مسؤولية مراقبة الأصول والخصوم، واستثمارات المصرف وربحيته. وقد تبع ذلك إصدار وثائق إرشادية في عام 1996م بشأن دور لجنة المراجعة التابعة لمجلس الإدارة. وقد قدمت هذه الوثيقة للمصارف إرشادات تفصيلية كثيرة بشأن تكوين لجان المراجعة وصلاحياتها ودورها ومسؤولياتها.
وفي عام 2004م، أصدرت المؤسسة تعميماً هاماً بخصوص مدراء المصارف وكبار المدراء فيها بعنوان "مؤهلات ومتطلبات التعيين في المناصب العليا في المصارف المرخصة في المملكة العربية السعودية". والغرض من هذا التعميم ضمان تمتع كبار المدراء والمدراء الآخرين بالسمعة والأمانة.
علاوة على ذلك، أصدرت المؤسسة للمصارف العاملة في المملكة، على مدى العقدين الماضيين، لوائح وتعليمات إضافية ذات علاقة بحكومة المصارف. وقد شملت تعاميم عن الضوابط الداخلية، وقواعد "اعرف عميلك"، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتجنب الاحتيال. وهناك لوائح خاصة حول دور مراجعي الحسابات الخارجيين والتدقيق الداخلي. وتلزم مؤسسة النقد مجالس الإدارة بإنشاء إدارة مختصة لمتابعة التزام المصرف باللوائح والمعايير، وأن تكون مرتبطة بمجلس الإدارة أو إحدى لجانه. وتطلب المؤسسة أيضا من جميع المصارف تطبيق المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، وأن تراجع حساباتها من مؤسستي تدقيق خارجيتين.
كما طلبت المؤسسة من المصارف العاملة في المملكة تلبية التوجيهات الصادرة عن لجنة بازل للإشراف المصرفي حول حوكمة الشركات، وكذلك التوجيهات الصادرة مؤخراً عن مجلس الخدمات المالية الإسلامية. وفي هذا الصدد، أود أن أذكر أن مؤسسة النقد العربي السعودي تشارك في اللجنة الفنية لمجلس الخدمات المالية الإسلامية وفي مختلف فرق العمل التي تقوم بوضع معايير حوكمة الشركات للمؤسسات المالية المتوافقة مع الشريعة.
إن الدور القيادي الذي اضطلعت به مؤسسة النقد العربي السعودي، على مدى العقود الماضية، في إصدار معايير حوكمة المصارف وتعزيز ثقافة الإدارة السليمة قد انعكس في ظهور مؤسسات مالية قوية ونظام مصرفي يتمتع بالمصداقية. وبفضل هذه الجهود حافظت تلك المؤسسات والنظام المصرفي على استقرارهما وسلامتهما رغم الأزمات الاقتصادية العالمية الإقليمية وتقلبات أسعار النفط.
أيها الحضور،
إننا يجب أن لا نقف عند إنجازات الماضي والخلود إليها، بل لا بد من أن نظل جميعاً يقظين وأن نتابع التطورات في الأسواق الإقليمية والعالمية، وأن نضمن مواصلة تبني وتنفيذ أفضل المعايير والمبادئ الدولية. وفي هذا الصدد، أود الإشارة إلى أن المؤسسة تقوم حالياً بتوجيه المصارف السعودية لتبني معيار بازل (2) لكفاية رأس المال بحلول الأول من يناير 2008م. وأتوقع أن تتمكن جميع المصارف من تلبية متطلبات رأس المال بسهولة، وأن ينعكس ذلك إيجابياً في تعزيز ثقافة إدارة المخاطر والإدارة السليمة للمصارف التي تُعد مطلباً أساسياً لمواجهة تحديات المرحلة القادمة.
وفي الختام أتمنى لكم طيب الإقامة في المملكة متمنياً لمؤتمركم النجاح والتوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.